ليبيا انضمّت إلى نظام الدفع الصيني. لا يزال السؤال الأهم من دون إجابة: من سيملك حق الاستخدام؟
لا يمكن قراءة انضمام ليبيا إلى نظام CIPS الصيني بمعزل عن سؤال أسبق من أي إعلان دبلوماسي: من يملك حق الوصول أصلًا. في اقتصاد لا يزال يعاني…
ليبيا انضمّت إلى نظام الدفع الصيني. لا يزال السؤال الأهم من دون إجابة: من سيملك حق الاستخدام؟

لا يمكن قراءة انضمام ليبيا إلى نظام CIPS الصيني بمعزل عن سؤال أسبق من أي إعلان دبلوماسي: من يملك حق الوصول أصلًا. في اقتصاد لا يزال يعاني من سعر صرف مزدوج وسوق موازية للدولار، لا تُحسم قيمة أي بنية دفع جديدة بوجودها، بل بمن يُسمح له باستخدامها.
في 19 يوليو 2026، التقى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، محافظ بنك الشعب الصيني، بان قونغ شنغ، في بكين، واتّفقا على ربط المصارف التجارية الليبية بنظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود (CIPS)، إلى جانب دخول ليبيا سوق السندات الصينية عبر ما يُعرف بـ”سندات الباندا”. الإعلان الرسمي وصف الخطوة بأنها ستُبسّط التحويلات المالية وتُسهّل إجراءها. هذا الوصف صحيح تقنيًا، لكنه يتجاهل السؤال الذي يحدد فعليًا ما إذا كانت هذه الخطوة ستغيّر شيئًا في الاقتصاد الليبي الحقيقي.
التغطية الإعلامية لهذا الاتفاق، الليبية والدولية على حد سواء، تعاملت معه كخطوة تحديثية واضحة المعنى: نظام دفع جديد يعني تحويلات أسرع، تكاليف أقل، وتجارة أوسع. الافتراض الضمني هنا أنّ إضافة بنية دفع جديدة إضافة صافية بالضرورة، بصرف النظر عمّن يستخدمها فعليًا.
هذا ليس افتراضًا غريبًا في سياق تجربة أفريقية أوسع. أنغولا سمحت لمصارفها التجارية باستخدام اليوان لتلبية احتياجاتها من العملة الأجنبية، وزامبيا بدأت تحصيل الضرائب من الشركات الصينية العاملة في التعدين باليوان مباشرة، وكينيا أعادت هيكلة جزء من ديون مشروع السكك الحديدية باليوان. الصين تحاول، بحسب ما نقله الاقتصادي تشارلي روبرتسون، أن تجعل اليوان العملة الأساسية للتجارة مع أفريقيا، من دون أن يعني ذلك إزاحة الدولار في المدى القريب.
المشكلة أنّ ليبيا لم تكن يومًا تعاني من نقص في أنظمة الدفع. كانت تعاني، ولا تزال، من غياب قواعد واضحة تحدد من يحصل على العملة الأجنبية أصلًا. المستورد الليبي العادي لا يواجه عقبة تقنية في تحويل الأموال، بل عقبة في الحصول على اعتماد مصرفي أو تخصيص من العملة الصعبة، وهذا التخصيص، كما هو موثّق في تقارير صندوق النقد الدولي حول ليبيا، يخضع تاريخيًا لمعايير غير شفافة أقرب إلى القرب من المؤسسة المصرفية منها إلى معايير تجارية معلنة. انضمام ليبيا إلى CIPS لا يُلغي هذه العقبة، بل يفتح بابًا ثانيًا في الجدار نفسه.
لفهم لماذا لا يكفي وجود القناة وحده، يجب تتبّع من يقرر عمليًا من يحصل على التصريح لاستخدامها. في غياب معايير معلنة لتخصيص العملة، يميل هذا القرار إلى الذهاب إلى المصارف والجهات الأقرب إلى مركز القرار، سواء بحكم علاقة سياسية أو موقع مؤسسي مميز. هذا لا يتغيّر بتغيّر العملة. مصرف كان يحظى بأولوية في الحصول على اعتمادات الدولار سيكون، على الأرجح، أول من يحصل على ترخيص التخليص باليوان أيضًا، لأنّ آلية التخصيص نفسها لم تتغيّر، تغيّرت فقط العملة التي تُدار من خلالها.
حين تُبنى قناة مالية جديدة فوق بنية تخصيص قائمة أصلًا على القرب لا على الشفافية، فإنها لا تُصلح تلك البنية، بل تمنحها عملة إضافية للعمل بها.
النموذج الكيني يقدّم مقارنة مفيدة هنا. بنك ستاندرد بنك، الذي تملك فيه المؤسسة الصناعية والتجارية المصرفية الصينية (ICBC) حصة 20%، حصل على ترخيص من بنك الشعب الصيني للتخليص بعملة اليوان في 19 دولة أفريقية، ونفّذ عبر نظام CIPS معاملات بقيمة 8 مليارات يوان (نحو 1.2 مليار دولار) منذ نهاية العام الماضي. فرعه الكيني “ستانبيك”، بالشراكة مع ICBC، أطلق تخليصًا مباشرًا باليوان في كينيا يسمح للتجار المحليين بتسوية معاملاتهم من دون المرور بالدولار. هذا النموذج يعمل لأنّ هناك مؤسسة واحدة، بحجم إقليمي وبنية تشغيلية جاهزة، تولّت تنفيذ الترخيص فعليًا.
ليبيا لا تملك حتى الآن مؤسسة مصرفية بهذا الحجم أو بهذا المستوى من الجاهزية التشغيلية، ولم يُعلن بعد عن قائمة المصارف الليبية التي ستحصل على ترخيص التخليص المباشر، ولا عن المعايير التي ستُستخدم لاختيارها.
هناك أيضًا سؤال توقيت يستحق أن يُطرح بصراحة. الاتفاق وُقّع في 19 يوليو 2026، قبل أسابيع فقط من الأزمة التي أدت إلى استقالة المحافظ ناجي عيسى من منصبه في أغسطس من العام نفسه. هذا لا يعني بالضرورة أنّ الاتفاق سيتعثر، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا حول استمرارية أي التزام مؤسسي وُقّع باسم محافظ لم يعد في منصبه بعد أسابيع قليلة، في بلد لم يعتد أن تُترجَم قراراته الكبرى إلى التزامات تتجاوز الأشخاص الذين وقّعوها.
مشروع Tosyalı-SULB في بنغازي يقدّم مثالًا ملموسًا على السؤال نفسه. المجمع، وهو شراكة بين الشركة التركية Tosyalı والشركة الليبية المتحدة لصناعة الحديد والصلب، برئاسة أحمد جاد الله، أُعلن عنه في يوليو 2024 لبناء أكبر مجمع لحديد الاختزال المباشر في العالم بسعة 8.1 مليون طن. مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى تمويل مستمر لاستيراد معدات رأسمالية وتسوية صادرات مستقبلية من الصلب. فهل سيغيّر انضمام ليبيا إلى CIPS شروط تمويل مشروع كهذا، أم أنّ تمويله سيستمر بالكامل خارج القناة الجديدة كما كان قبل توقيع الاتفاق؟ لا توجد حتى الآن إجابة معلنة، وغياب هذه الإجابة يقول عن الاتفاق أكثر مما يقوله الإعلان الرسمي نفسه.
يمكن لمن يدافع عن هذه الخطوة أن يقول إنّ أي بنية جديدة تبدأ محدودة قبل أن تتوسع، وأنّ التجارب الأفريقية المشابهة، من زامبيا إلى أنغولا، بدأت بنطاق ضيق ثم اتسعت مع الوقت. رفض قيمة CIPS بالكامل قد يُقلل من ميزة الأسبقية التي قد تحصل عليها أي مؤسسة ليبية تدخل النظام مبكرًا. هذا الطرح له وجاهته الجزئية، فالأسبقية فعلًا تمنح أفضلية، لكنها أفضلية لمن يدخل أولًا لا لمن يحتاج الوصول أكثر.
هذا يعيدنا إلى جوهر مشكلة ليبيا الاقتصادية: اقتصاد يُخصَّص فيه الوصول إلى العملة والتسوية بحسب القرب السياسي لا بحسب معايير شفافة، سينتج النمط نفسه بصرف النظر عن العملة أو الدولة الشريكة. الدولار، اليوان، أو أي عملة أخرى تنضم إليها ليبيا مستقبلًا، ستُدار كلها عبر البنية المؤسسية نفسها، ما يعني أنّ الفاعلين المرتبطين سيحصلون على وصول سلس، بينما يبقى البقية رهينة السوق الموازية.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت ليبيا ستنضم إلى مزيد من الأنظمة المالية العالمية، فهذا مسار متوقع لاقتصاد يبحث عن بدائل. السؤال هو: هل سيُعلن مصرف ليبيا المركزي معايير واضحة وشفافة لمن يحصل على ترخيص التخليص باليوان قبل أن يبدأ النظام عمله فعليًا، أم أنّ هذا الوصول سيُحسم بالطريقة نفسها التي حُسم بها الوصول إلى الدولار على مدى سنوات، بهدوء، وبحسب القرب لا الاستحقاق؟
메타데이터
- post_id
- 2ea5e121d93f
- slug
- ليبيا-انضمّت-إلى-نظام-الدفع-الصيني-لا-يزال-السؤال-الأهم-من-دون-إجابة-من-سيملك-حق-الاستخدام-2ea5e121d93f
- url
- https://medium.com/@tarekabdelkarim/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D9%91%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A5%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-2ea5e121d93f
- canonical_url
- https://medium.com/@tarekabdelkarim/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D9%91%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A5%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-2ea5e121d93f
- author_url
- https://medium.com/@tarekabdelkarim
- status
- ok
- fetched_at
- 2026-08-21 04:43:13