سوريا: جدلية التكوين التاريخي وتفكك الدولة
مقاربة نقدية في اقتصاديات الدولة والتحول الاجتماعي
سوريا: جدلية التكوين التاريخي وتفكك الدولة

مشهدٌ يعكس حضور الرموز السياسية السورية في الفضاء العام إلى جانب منتجات ثقافية واستهلاكية، بما يبرز تداخل السياسة بالاقتصاد الرمزي. ويمكن قراءته كأداة لإعادة إنتاج شرعية الدولة عبر الحياة اليومية، ضمن سياق اقتصاد ريعي تتحول فيه الصورة السياسية إلى سلعة موازية للسوق.
مقاربة نقدية في اقتصاديات الدولة والتحول الاجتماعي
الإرث البنيوي كمدخل للتحليل
غالباً ما تُختزل الأزمة السورية في الأدبيات السياسية المعاصرة ضمن ثنائيات تبسيطية: (نظام مقابل معارضة)، أو (استبداد مقابل ديمقراطية)، أو (طائفية مقابل علمانية). بيد أن هذه التناولات، وإن حملت جزءاً من الحقيقة، تفشل في تفسير لماذا ولدت هذه الأزمة في هذه اللحظة التاريخية، ولماذا استعصت على الحلول التقليدية. إن الأطروحة المركزية لهذا المقال هي أن سوريا لم تشهد “انهياراً” مفاجئاً، بل مرت بعملية “تفكيك بنيوي” بدأت قبل عام 2011 بعقد من الزمن. هذه العملية لم تكن عرضية، بل كانت نتاج تحول الدولة من “نموذج تنموي حمائي” إلى “نظام ريعي-نيوليبرالي” فقد وظيفته الاجتماعية، مما أدى إلى حتمية الانفجار.
مفارقة الاستقلال والنموذج التنموي (ما قبل 2000)
بُنيت الدولة السورية ما بعد الاستعمار (1946–1970) على أساس “العقد الاجتماعي الشعبوي”. كان جوهر هذا العقد هو المقايضة التاريخية: “شرعية سياسية مقابل أمن اجتماعي”.
- التحليل البنيوي: اعتمدت الدولة على الزراعة والصناعات التحويلية، حيث كان القطاع العام هو المشغل والمحرك الأساسي. هذا المسار خلق “طبقة وسطى بيروقراطية” و”قاعدة ريفية منتجة”.
- الخلل الكامن: رغم الاستقرار الظاهري، إلا أن هذا المسار عزز “نظاماً زبائنياً” حيث ارتبطت الولاءات السياسية بالتوظيف الحكومي. وبحلول التسعينيات، ومع تراجع أسعار النفط وتبدل التحالفات الإقليمية، بدأ هذا النموذج يفقد قدرته على التجديد، مما مهد الطريق لـ “الانفتاح القسري”.
“الانقلاب النيوليبرالي” (2000–2010): الكومبرادور بدلاً من الصناعة
يمثل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لحظة “التحول البنيوي” الأخطر في تاريخ سوريا الحديث. لقد تبنت القيادة السورية سياسات اقتصادية سُميت بـ “اقتصاد السوق الاجتماعي”، ولكنها في الجوهر كانت “ليبرالية متوحشة” تفتقر إلى أي شبكات أمان.
لم يكن الهدف من هذه الإصلاحات هو التحديث التنموي، بل كان إعادة تشكيل “قاعدة النخبة الحاكمة”. من خلال رفع الدعم عن المحروقات والأسمدة، وتفكيك المؤسسات الزراعية، قامت الدولة عملياً بـ “إلغاء أمن” الريف السوري.
النتيجة: تحولت سوريا من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد “الوساطة” ، حيث سيطرت قلة من النخب المرتبطة بالسلطة على قطاعات الاتصالات، البنوك، والعقارات. هذا خلق فجوة طبقية عميقة جعلت “الجبهة الداخلية” هشة، وفاقدة للولاء العضوي للدولة عندما بدأت الأزمة.
“الجمود القسري” وأزمة إعادة الإعمار (ما بعد 2011)
يرى التحليل التقليدي أن الحرب “دمرت” الاقتصاد، ولكن القراءة التحليلية المعمقة تشير إلى أن الحرب “أعادت هيكلة” الاقتصاد بما يخدم فئات جديدة. إن القوانين التي صدرت خلال الحرب (مثل القانون رقم 10 لعام 2018) لا تهدف فقط إلى تنظيم المدن، بل هي أداة لـ “النزع القانوني للملكية”.
تفكيك الهوية الاقتصادية
- نحن أمام عملية “تطهير طبقي” للمناطق التي شهدت معارضة سياسية، ليس بدافع طائفي فحسب، بل بدافع استثماري لتمهيد الطريق لمشاريع سياحية وعقارية كبرى (نموذج سوليدير).
- لقد تحول الصراع في سوريا إلى “سوق للحرب”، حيث أصبحت إعادة الإعمار “فخاً اقتصادياً” جديداً. بدلاً من التنمية المستدامة، يتم التوجه نحو “الاستثمار الريعي” الذي يتطلب عمالة رخيصة جداً وبنية تحتية محدودة، مما يكرس التبعية الاقتصادية للخارج (سواء لروسيا أو الصين أو غيرهما) ويحول سوريا إلى ساحة لتصريف رؤوس الأموال العابرة للحدود.
نحو رؤية استشرافية
بناءً على هذا التحليل، يمكن استخلاص النتائج التالية التي تشكل ملامح الواقع السوري الحالي والمستقبلي:
- سقوط وهم “إعادة الإعمار التقليدي”: لا يمكن إعادة بناء سوريا بالمنطق النيوليبرالي ذاته الذي أدى إلى انفجارها عام 2011. أي عملية إعادة إعمار قائمة على “الشراكة بين القطاعين العام والخاص” (PPP) في ظل غياب سيادة القانون ستؤدي إلى تكريس “اقتصاد المحاسيب” وإعادة إنتاج الأزمة ذاتها تحت مسمى التنمية.
- ضرورة “الاستعادة الإنتاجية”: إن مخرج سوريا من نفق “دولة الوكالة” يتطلب “تأميماً للقرار الاقتصادي” وإعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة) التي تم تدميرها لصالح المضاربات العقارية.
- إشكالية “الدولة-الأمة”: أثبتت التجربة أن التلاعب بالانقسامات الاجتماعية (طائفياً أو مناطقياً) هو أداة استراتيجية قصيرة الأمد. المستقبل يتطلب “عقداً اجتماعياً جديداً” يتجاوز “الزبائنية”، حيث تكون المواطنة هي الأساس للحقوق الاقتصادية، وليس الولاء السياسي أو العرقي.
سوريا ما بين الانهيار وإعادة الصياغة
إن تاريخ سوريا الحديث هو قصة “دولة” كانت تحاول الحفاظ على سيادتها في عالم يفرض عليها الاندماج القسري في نظام مالي عالمي لم تكن مستعدة له. لقد دفع السوريون ثمن انتقال الدولة من “دولة رعاية” إلى “دولة شركة”
إن التحدي اليوم لا يكمن في “إعادة البناء” بالمعنى المادي للبناء والإسمنت، بل في “إعادة البناء السياسي والاقتصادي”. إن سوريا المستقبل لن تكون مستقرة إلا إذا تمكنت من فك الارتباط بين “السلطة” و”رأس المال”، وإذا ما استعادت الدولة وظيفتها كـ “حامية” لمصالح المجتمع ككل، لا كـ “وسيط” لصالح فئات ضيقة. إن القوى الدولية، بتركيزها على “الاستقرار الساكن”، تغفل حقيقة أن الاستقرار في سوريا لا يمكن أن يتحقق دون عدالة توزيعية تضمن عودة الموارد إلى أصحابها الحقيقيين، وبناء اقتصادٍ يقوم على الإنتاج لا على السمسرة.
إن أي قراءة للمستقبل السوري تتطلب التخلي عن “الأمل الرومانسي” بالعودة إلى ما قبل 2011، والبدء في فهم “الواقع البنيوي الجديد” الذي تشكل عبر عقد من الدم والتحولات الجذرية. فسوريا اليوم هي مختبر عالمي لنتائج “النيوليبرالية العنيفة” في مجتمع غير مهيأ لها، وما سيحدث فيها هو انعكاس لمدى قدرة الدولة على التحرر من هذا النموذج التدميري.
메타데이터
- post_id
- c043f6b0c5a2
- slug
- سوريا-جدلية-التكوين-التاريخي-وتفكك-الدولة-c043f6b0c5a2
- url
- https://medium.com/@m.imad.albahri/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-c043f6b0c5a2
- canonical_url
- https://medium.com/@m.imad.albahri/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-c043f6b0c5a2
- author_url
- https://medium.com/@m.imad.albahri
- status
- ok
- fetched_at
- 2026-06-27 23:56:40