الفصل الثاني: التغيّر في الطبيعة
الفكر الرئيسية
الفصل الثاني: التغيّر في الطبيعة
الفكر الرئيسية
علم التصنيف يساعد العلماء في تحديد الكائنات الحية المختلفة في مجموعات منظمة، ويساهم في سهولة التعامل معها على أساس طبقي (رتبي). إن الجدال حول تصنيف الحيوانات والنباتات يعود لزمن غابر، ومازال قائماً حتى اليوم.
إن تواجد علماً معظمه قائم على جدالات وآراء شخصية أكثر منه معلومات علمية موضوعية قد يبدو محيراً للبعض — أنا أعني ب “آراء شخصية” بالمعيار الذي يتم وضعه لتحديد مدى اختلاف الأنواع عن بعضها في صفات “جوهرية” — هذا لا يعود بالضرورة إلى ضعف مهارة علماء التصنيف، بل إلى العلم نفسه كأساس غير واقعي يسعى أن يضع الكائنات في سلم هرمي منفصل، بينما ما يربطها في حقيقة الأمر هي شجرة ضخمة متفرعة بالعلاقات المتبادلة التي تضمن اتصال كل نوع وجنس بآخر.
لا يوجد نوع منفصل بذاته، فكل كائن حي ينحدر من أسلافه الذين ينحدرون بدورهم من أسلافهم. الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض تنحدر إلى حياة واحدة وأصل واحد، وهذا بالضبط ما يناقشه الكتاب بعبارة “أصل الأنواع”.
يستخدم علماء التصنيف اليوم هذا العلم ليس كمعيار صارم لطبيعة الكائنات الحية وعلاقاتها ببعضها، بل كأداة عملية تساعدهم في تصنيف الكائنات الحية على مستوى أكثر سطحية، وينقذهم من مأزق متمثل في مواجهة حقيقة الكائنات التي تمثلها شجرة الحياة، وهو مصطلح واقعي استخدمه داروين ليصف ترابط الأنواع ببعضها ومدى تعسف فكرة تصنيف الكائنات الحية.
الصعوبات التي واجهت العلماء الطبيعيون في تصنيف الكائنات الحية
معظم الفصل يتحدث عن معاناة علماء التصنيف في التفريق بين الأنواع والضروب، أكاد أجزم أن قارئي الكتاب شعروا بنبرة داروين المتهكمة وصف حالة الإرتباك بشأن تلك المسألة في الأوساط العلمية آنذاك. الإختلاف بين آراء العلماء كان مهولاً لدرجة مثيرة للسخرية، فترى العلماء يختلفون اذا كانت هذه الجماعة نوع منفصل ام ضرب لنوع آخر.
الخلاف يكون معقولاً عند النظر إلى المُسببات التي تجعل علم التصنيف مثيراً للجدل في المقام الأول. الحق يُقال أن مصطلحي النوع والضرب مبهمين؛ فالخط الفاصل بين هذه الرتب باهت وغير واضح. أشار داروين إلى الفرق بينهما أن مدى الاختلافات بين الضروب في نفس النوع يجب أن يكون أقل منه بين الأنواع من نفس الجنس. على الرغم من ذلك، شدد داروين على أن هذه مجرد مصطلحات تمثل فهم بشري محدود لأنظمة الطبيعة المعقدة.
كان ظهور تعريف صارم يريح العلماء من هذه الخلافات متأخرا جدا. ففي عام 1940، وبعد صدور الكتاب بما يقرب الثمانون عاماً، وضع العالم الشهير “إرنست ماير” (Ernst Mayr) تعريفا دقيقاً للأنواع. يتمثل في قدرة أفرادها على التناسل فيما بينها دوناً عن الأنواع الاخرى. بعبارة أخرى أن ما يشكل النوع هو مجموعة أفراد لا يمكنهم التناسل الا فيما بينهم فقط. .(Mayr, 1940)
الإختلافات بين أفراد النوع الواحد
تم ذكر التباينات الطفيفة بين الأفراد في النوع الواحد بإختصار، والتي يتم انتقاؤها بواسطة الطبيعة في اتجاه يضمن نجاة النوع، وهذه الآلية (أي الاصطفاء الطبيعي) تشبه إلى حد كبير في سماتها الاصطفاء الصناعي، لكنها تختلف عنها في مدى تغييرها لبنى الكائنات الحية وتفاعلاتها على فترات زمنية جيولوجية في قدمها مقارنة باختيار يمتد زمنياً جيل أو اثنين فقط بشكل متتالي بواسطة الإنسان لصفات معينة في حيوان. فاعلية الانتقاء البشري ضعيفة للغاية مقارنة بالطبيعة. فبينما البشر يختارون الصفات الظاهرية التي تظهر على جسد الحيوان. آليات الطبيعة تعمل على تغيير الأجزاء الباطنية من الأعضاء بدقة.
الأنواع المهيمنة وميلها للانتشار أكثر
لفهم هذه الجزئية بوضوح، يجب أن يكون للقارئ فهماً لسبب تواجد أنواع مهيمنة في المقام الأول. هذا يحدث لعدة أسباب وأهمها: وجود الاختلافات المفيدة في كل جيل والتي ساعدت النوع على البقاء والتكاثر أكثر من غيره في بيئة معينة، وبالتالي القدرة على احتلال رقعة أكبر من الأراضي. هذا يسلط الضوء على خاصية مهمة جدا في الأنواع المهيمنة، وهو أن كل جيل يحمل السمات المميزة التي جعلت جنسه أكثر انتشاراً لفترات من الزمن. وبدوره، يميل الجيل القادم للانتشار أكثر.
الآلية نفسها تنطبق على الأنواع المحدودة أو المنتشرة عبر نطاق صغير من الأراضي، إذ أن الجينات التي لم تسمح للأسلاف بالتوسع والانتشار ستحد بدورها من إنتشار الأجيال القادمة من نفس النوع. هذه التفسيرات هي قواعد عامة بالأساس ويمكن أن تنقلب المعادلة في العديد من الظروف، فمثلاً، قد يشح الطعام المناسب للنوع المهيمن لعدة مواسم مما يؤدي إلى تناقص أعدادها إلى درجات تصل أحياناً للإنقراض.
تنويهات
“العلماء الطبيعيون” (Naturalists) هو مصطلح يشير إلى العلماء المتخصصين في التاريخ الطبيعي (الذي يشمل علم الأحياء وعلم الجيولوجيا والأحافير وعلم الحيوان وعلم النبات وغيره). وغالباً ما يصف العلماء الأوائل خصوصاً في الفترة الزمنية التي تبدأ من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، قبل أن تتخصص العلوم بشكل صارم لفروع منفصلة. اعتمدوا في عملهم على الملاحظات الدقيقة المباشرة للظواهر، والرحلات الميدانية، وجمع العينات، لذلك كان أسلوب كتابتهم يميل للإسهاب في سرد تفاصيل مراقبتهم المستمرة للطبيعة. (Definition.net, n.d.)
- إرنست ماير هو عالم طيور وتصنيف و أحياء تطورية. ذاع صيته بتقديم تفاصيل وصفية دقيقة لأنواع عدة من الطيور قرب غينيا الجديدة، جنوب غرب المحيط الهادئ الاستوائي. كما أن له إنجازات عدة في علم الأحياء التطورية و التصنيف مثل: توضيحه لمدى اعتباطية الفروق بين الرتب المختلفة التي وضعها علماء التصنيف بين الكائنات الحية وأبحاث عن علاقة فصائل الدم البشرية بالحقائق التطورية وانتخابها طبيعياً لحماية الجنس البشري من أنواع معينة من السرطان. (Diamond, 2005)
References
- Darwin, C. (1859). On the origin of species. John Murray.
- naturalists. (n.d.). Definitions.net. Retrieved June 15, 2026, from https://www.definitions.net/definition/naturalists.
- Diamond, J. Ernst Mayr (1904–2005). Nature 433, 700–701 (2005). https://doi.org/10.1038/nature03435
메타데이터
- post_id
- fed9411bcd6e
- slug
- الفصل-الثاني-التغيّر-في-الطبيعة-fed9411bcd6e
- url
- https://medium.com/@ht924254/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%91%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D8%A9-fed9411bcd6e
- canonical_url
- https://medium.com/@ht924254/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%91%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D8%A9-fed9411bcd6e
- author_url
- https://medium.com/@ht924254
- status
- ok
- fetched_at
- 2026-06-15 20:49:13